ابن تيمية
86
مجموعة الفتاوى
مَنْ اتَّبَعَ كَلَاماً أَوْ حَدِيثاً - مِمَّا يُقَالُ : إنَّهُ يُلْهَمُهُ صَاحِبُهُ وَيُوحَى إلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ يُنْشِئُهُ وَيُحْدِثُهُ مِمَّا يُعَارِضُ بِهِ الْقُرْآنَ - فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الظَّالِمِينَ ظُلْماً . وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَ الَّذِينَ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ حَيْثُ أَنْكَرُوا الْإِنْزَالَ عَلَى الْبَشَرِ ذَكَرَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِهِ الْمُدَّعِينَ لِمُمَاثَلَتِهِ مِن الأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ . فَإِنَّ الْمُمَاثِلَ لَهُ : إمَّا أَنْ يَقُولَ : إنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَوْ يَقُولَ : أُوحِيَ إلَيَّ وَأُلْقِيَ إلَيَّ وَقِيلَ لِي وَلَا يُسَمِّي الْقَائِلَ . أَوْ يُضِيفُ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ وَيَذْكُرُ أَنَّهُ هُوَ الْمُنْشِئُ لَهُ . وَوَجْهُ الْحَصْرِ : أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَحْذِفَ الْفَاعِلَ أَوْ يَذْكُرَهُ وَإِذَا ذَكَرَهُ فَإِمَّا أَنْ يَجْعَلَهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ نَفْسِهِ . فَإِنَّهُ إذَا جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّيَاطِينِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَمَا جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا يُضِيفُهُ إلَى اللَّهِ وَفِيمَا حُذِفَ فَاعِلُهُ فَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } . وَتَدَبَّرْ كَيْفَ جَعَلَ الْأَوَّلِينَ فِي حَيِّزِ الَّذِي جَعَلَهُ وَحْياً مِن اللَّهِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوحِي ؟ فَإِنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِي ادِّعَاءِ جِنْسِ الْإِنْبَاءِ وَجَعَلَ الْآخَرَ فِي حَيِّزِ الَّذِي ادَّعَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ وَلِهَذَا قَالَ : { مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً } ثُمَّ قَالَ : { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } فَالْمُفْتَرِي لِلْكَذِبِ وَالْقَائِلُ : أُوحِيَ إلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ : مِنْ جُمْلَةِ الِاسْمِ الْأَوَّلِ وَقَدْ قُرِنَ بِهِ الِاسْمُ الْآخَرُ فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الْمُدَّعُونَ لِشِبْهِ النُّبُوَّةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُمْ الْمُكَذِّبُ لِلنُّبُوَّةِ .